محمد جواد مغنية
166
في ظلال نهج البلاغة
متاع الدنيا ، ويسعى اليه جاهدا . . وقد تكون حاجته في يد ظالم لا ينالها صاحبها إلا بكرامته والتلوّن في دينه وضميره ، أو يقف دونها غير ذلك من الجواجز التي لا يتخطاها الانسان إلا بالدخول فيما لا يليق . . ومن صبر عن حاجته ، وضحى بها في سبيل دينه وكرامته - أبدله اللَّه عنها ما هو خير وأبقى ( أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ) كان في مقدورهم أن يبلغوا من الدنيا ما يريدون لو تنازلوا عن دينهم وكرامتهم ، ولكنهم أبوا إلا مرضاة اللَّه . ( وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ) . حاولت الدنيا أن تمتلكهم وتستعبدهم بالمال والجاه ، فحرروا أنفسهم منها بالصبر عن الملذات والشهوات ، وعاشوا أحرارا لا سلطان عليهم إلا للَّه وحده ( أما الليل فصافّون إلخ ) . . التزموا طريق اللَّه وحده قياما وصياما ، وتسبيحا وتهليلا ، وعملا وجهادا . . يتلون القرآن لا للتغني والتهلي ، بل للاهتداء بنوره ، والاعتصام بحبله ، والوقوف عند حدوده . هذا ملخص لمعنى هذه الجمل العديدة من قوله : « أما الليل . . إلى بري الأقداح » وهو توكيد وتوضيح لما تقدم ، وبما ذا نفسر ونشرح كلمات كلها أو جلها للتبجيل والتكريم . قوة في دين . . فقرة 5 - 8 : ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا . ولقد خالطهم أمر عظيم . لا يرضون من أعمالهم القليل . ولا يستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متّهمون . ومن أعمالهم مشفقون إذا زكَّي أحدهم خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي من نفسي . اللَّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ،